فخر الدين الرازي

267

تفسير الرازي

ما سوى الله تعالى عن القلب ، وهو المراد من قوله : * ( فالعاصفات عصفاً ) * والثاني : ظهور أثر تلك الداعية في جميع الجوارح والأعضاء حتى لا يسمع إلا الله ، ولا يبصر إلا الله ، ولا ينظر إلا الله ، فذلك هو قوله : * ( والناشرات نشراً ) * ثم عند ذلك ينكشف له نور جلال الله فيراه موجوداً ، ويرى كل ما سواه معدوماً ، فذلك قوله : * ( فالفارقات فرقاً ) * ثم يصير العبد كالمشتهر في محبته ، ولا يبقى في قلبه ولسانه إلا ذكره ، فذلك قوله : * ( فالملقيات ذكراً ) * . واعلم أن هذه الوجوه الثلاثة الأخيرة ، وإن كانت غير مذكورة إلا أنها محتملة جداً . وأما الاحتمال الثاني : وهو أن لا يكون المراد من الكلمات الخمس شيئاً واحداً ، ففيه وجوه الأول : ما ذكره الزجاج واختيار القاضي ، وهو أن الثلاثة الأول هي الرياح ، فقوله : * ( والمرسلات عرفاً ) * هي الرياح التي تتصل على العرف المعتاد * ( والعاصفات ) * ما يشتد منه ، * ( والناشرات ) * ما ينشر السحاب . أما قوله : * ( فالفارقات فرقاً ) * فهم الملائكة الذين يفرقون بين الحق والباطل ، والحلال والحرام ، بما يتحملونه من القرآن والوحي ، وكذلك قوله : * ( فالملقيات ذكراً ) * أنها الملائكة المتحملة للذكر الملقية ذلك إلى الرسل ، فإن قيل : وما المجانسة بين الرياح وبين الملائكة حتى يجمع بينهما في القسم ؟ قلنا : الملائكة روحانيون ، فهم بسبب لطافتهم وسرعة حركاتهم كالرياح القول الثاني : أن الاثنين الأولين هما الرياح ، فقوله : * ( والمرسلات عرفاً * فالعاصفات عصفاً ) * هما الرياح ، والثلاثة الباقية الملائكة ، لأنها تنشر الوحي والدين ، ثم لذلك الوحي أثران أحدهما : حصول الفرق بين المحق والمبطل والثاني : ظهور ذكر الله في القلوب والألسنة ، وهذا القول ما رأيته لأحد ، ولكنه ظاهر الاحتمال أيضاً ، والذي يؤكده أنه قال : * ( والمرسلات عرفاً ، فالعاصفات عصفاً ) * عطف الثاني على الأول بحرف الفاء ، ثم ذكر الواو فقال : * ( والناشرات نشراً ) * وعطف الاثنين الباقيين عليه بحرف الفاء ، وهذا يقتضي أن يكون الأولان ممتازين عن الثلاثة الأخيرة القول الثالث : يمكن أيضاً أن يقال : المراد بالأولين الملائكة ، فقوله : * ( والمرسلات عرفاً ) * ملائكة الرحمة ، وقوله : * ( فالعاصفات عصفاً ) * ملائكة العذاب ، والثلاثة الباقية آيات القرآن ، لأنها تنشر الحق في القلوب والأرواح ، وتفرق بين الحق والباطل ، وتلقي الذكر في القلوب والألسنة ، وهذا القول أيضاً ما رأيته لأحد ، وهو محتمل ، ومن وقف على ما ذكرناه أمكنه أن يذكر فيه وجوهاً ، والله أعلم بمراده . المسألة الثانية : قال القفال : الوجه في دخول الفاء في بعض ما وقع به القسم ، والواو في بعض مبني على الأصل ، وهو أن عند أهل اللغة الفاء تقتضي الوصل والتعلق ، فإذا قيل : قام زيد فذهب ، فالمعنى أنه قام ليذهب فكان قيامه سبباً لذهابه ومتصلاً به ، وإذا قيل : قام وذهب فهما خبران كل واحد منهما قائم بنفسه لا يتعلق بالآخر ، ثم إن القفال لما مهد هذا الأصل فرع الكلام عليه في هذه الآية بوجوه لا يميل قلبي إليها ، وأنا أفرع على هذا الأصل فأقول : أما من